القاضي التنوخي

119

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فلما تبيّنت صورته ارتعت منه ، وقلت : يا جواري ، من هذا الهاجم علينا ؟ فتساعين إليه ، فزبرهنّ ، وقال : أنا عليّ بن أبي طالب . فنهضت إليه ، وقبّلت الأرض بين يديه ، فقال : لا . لا . وقلت : قد ترى يا مولاي ما أنا فيه ، فادع اللَّه لي بأن يكشفه ، ويهب لي ذكرا سويا محظوظا فقال : يا فلانة ، وسمّاني باسمي - وكذا كنى الملك عضد الدولة عن الاسم - قد فرغ اللَّه ممّا ذكرت ، وستلدين ذكرا ، سويا ، نجيبا ، ذكيا ، عاقلا ، فاضلا ، جليل القدر ، سائر الذكر ، عظيم الصولة ، شديد السطوة ، يملك بلاد فارس وكرمان ، والبحر وعمان ، والعراق والجزيرة ، إلى حلب ، ويسوس الناس كافّة ، ويقودهم إلى طاعته بالرغبة والرهبة ، ويجمع الأعمال الكثيرة ، ويقهر الأعداء ، ويقول بجميع ما أنا فيه - يقول الملك ذاك - ويعيش كذا وكذا سنة ، لعمر طويل ، أرجو بلوغه - ولم يبيّن الملك قدره - ويملك ولده من بعده ، فيكون حالهم كذا وكذا لشيء طويل ، هذه حكاية لفظه . قال الملك عضد الدولة : وكلَّما ذكرت هذا المنام ، وتأمّلت أمري ، وجدته موافقا له حرفا بحرف . ومضت على ذلك السنون ، ودعاني عمّي عماد الدولة إلى فارس ، واستخلفني عليها ، وصرت رجلا ، وماتت أمّي . واعتللت علَّة صعبة ، أيست فيها من نفسي ، وأيس الطبيب مني ، وكانت سنتي المتحوّلة فيها ، سنة رديئة الدلائل ، موحشة الشواهد ، وبلغت إلى حدّ أمرت فيه ، بأن يحجب الناس عنّي ، حتى الطبيب ، لضجري بهم ، وتبرّمي بأمورهم ، وما أحتاج إلى شرحه لهم ، ولا يصل إليّ إلَّا حاجب النوبة .